الجاحظ

138

رسائل الجاحظ

الآجام إلى الفيافي وساكني السهل إلى الجبال وساكني الجبال إلى البحار وساكني الوبر إلى المدر لأذاب قلوبهم الهم ولأتى عليهم فرط النزاع ، وقد قيل : عمر اللّه البلدان بحب الأوطان . وقال عبد اللّه بن الزبير رحمه اللّه تعالى : ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم . وقال معاوية في قوم من اليمن رجعوا إلى بلادهم بعد أن أنزلهم من الشام منزلا خصيبا وفرض لهم في شؤون العطاء : يصلون أوطانهم بقطيعة أنفسهم . وقال اللّه جل وعز : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ فقرن الضن بالأوطان إلى الضن بمهج النفوس وليس على ظهرها إنسان إلا وهو معجب بعقله لا يسره أن له بجميع ماله ما لغيره ، ولولا ذلك لماتوا كمدا ولذابوا حسدا . ولكن كل إنسان وإن كان يرى أنه حاسد في شيء فهو يرى أنه محسود في شيء . [ 14 - سبب اختلاف الأسماء ] ولولا اختلاف الأسباب لتنازعوا بلدة واحدة واسما واحدا وكنية واحدة . فقد صاروا كما ترى مع اختيار الأشياء المختلفة إلى الأسماء القبيحة والألقاب السمحة . والأسماء مبذولة والصناعات مباحة والمتاجر مطلقة ووجوه الطرق مخلاة ، ولكنها مطلقة في الظاهر مقسمة في الباطن ، وإن كانوا لا يشعرون بالذي دبره الحكيم من ذلك ولا بالمصلحة فيه ، فسبحان من حبب إلى واحد أن يسمي ابنه محمدا وحبب إلى آخر أن يسميه شيطانا وحبب إلى آخر ان يسميه عبد اللّه وحبب إلى آخر أن يسميه حمارا ، لأن الناس لو لم يخالف بين عللهم في اختيار الأسماء وجاز أن يجتمعوا على شيء واحد كان في ذلك بطلان العلامات وفساد المعاملات . [ 15 - الانسان مجبر وحر ] وأنت إذا رأيت ألوانهم وشمائلهم واختلاف صورهم وسمعت لغاتهم ونغمهم علمت أن طبائعهم وعللهم المحجوبة الباطنة على حسب أمورهم الظاهرة . وبعض الناس وإن كانوا مسخرين للحياكة فليس بمسخر للفسق والخيانة والأحكام والصدق